بسم الله الرحمن الرحيم

الشعب الليبي الكريم 

نلتقي اليوم جميعاً كدأبنا في مثل هذا الوقت من كل عام،  لنستحضر ذكرى اليوم الذي ولدت فيه أمتنا ‏وتوج فيه أبائنا و أجدادنا تحت قيادة الملك ادريس الأول نضالهم ‏ ليدشنوا بأحرف من نور ‏أول الفصول  في تاريخ بلادنا السياسي الحديث ، و ليضربوا مثالا استثنائيا في الوطنية والتفاني والإخلاص و ليؤسسوا دولة ديمقراطية واعدة، تمكنت رغم قلة امكانياتها من أن  تضع اللبنات الأولى للمؤسسات المختلفة سواء العسكرية أو التعليمية أو الصحية أو الاقتصادية ، والتي ساهمت خلال العقود الماضية على تهيئة مئات الآلاف من الكوادر والخبراء الذين ساهموا ويساهمون في بناء الوطن حتى يومنا هذا. 

لقد حرصنا خلال الأعوام الماضية على أن ننبه من الخطر المحدق ببلادنا، ومن التآمر الذي يتعرض له وطننا ،من قبل المتربصين بخيراته وثرواته داخلياً وخارجياً، ولكننا وفي ذات الوقت كنا حريصين على ابقاء جذوة الأمل مُتقّدةً حتى في أحلك اللحظات التي مررنا بها، نتيجة الاقتتال والدمار والفساد والصراع على السلطة والمال  . هذا الأمل الذي لم ينقطع لدينا يوماً في أن بلادنا تستحق منا أن نبذل من أجلها كل غالٍ ونفيس، من أجل استعادة بهائها ومجدها اللائق بأرضها وشعبها وتاريخها . هذا الأمل الذي لا يتمناه لنا الأعداء والمتربصون بمخزون بلادنا التاريخي الكفيل باستعادة الوحدة والتوافق المفقودين في ظل الصراعات والتجاذبات و استحالة التوصل إلى وضع يمكن من خلاله أن يتفق الجميع  على الطريقة المثلى لادارة الأمور في البلاد والاستفادة الرشيدة من مقدرات أرضنا، إلا من خلال المرجعية الدستورية السليمة والمؤسسات التي تمثل الشعب وإرادته تمثيلاً حقيقيا. 

لقد دفعنا هذا كله، وأكثر منه واجبنا والأمانة الملقاة على أعتاقنا، في أن نسعى وبتصميم نستمده من الله عز وجل ، من أجل أن نجمع أطراف كلمتنا وشتات أمرنا وتضميد جروحنا من دون أن ننتظر من غيرنا أن يحرص على جمعنا حول طاولة للحوار ونحن الأقدر والأعلم بأمورنا. 

لقد بدأنا بحمد الله خلال الأشهر الماضية مشاوراتٍ ومباحثات مع جميع الأطراف المكونة لمجتمعنا من غير استثناءات أو شروط غير المصلحة العليا لبلادنا وشعبها . هذه المشاورات واللقاءات التي ستستمر باذن الله خلال الفترة القادمة على أرض وطننا وبين أفراد شعبنا لضمان المشاركة الشاملة ، لا تستهدف عودة لنظام او استعادةً لعرش أو محاصصة بين القليل على حساب الكل ؛ إنما يهدف هذا الحوار لأن نصل جميعاً إلى حقيقة واحدة  مفادها أنه لا خلاص لنا إلا بأن نضع هدفاً واحداً ومشتركاً وهو رفعة وتقدم الوطن تحت مظلة دستورية ومرجعية مؤسساتية تحترم إرادة الشعب قبل أن نجد بلادنا وقد تناثرت أطرافها وتلاشت وذهب ريحها.

اننا نعتمد في مشوارنا هذا على الله سبحانه وتعالى الذي لا نرجو إلا مرضاته ، ونعتمد على  اشقاءنا واخواننا وأصدقاءنا من دول العالم أجمع ومن المنظمات الدولية، من دون أن يتدخلوا في شؤونا أو أن يرسموا لنا خطواتنا. ونحن إذ نحاول أن نجعل من بلادنا واحة للاستقرار في محيطها الاقليمي والدولي ، فإننا حريصون كذلك على أن تكون المنطقة الممتدة عبر الشمال والساحل الأفريقي منطقة مستقرة ، ونتمنى أن نساهم كما ساهم آبائنا وأجدادنا في انهاء معاناتها ووقف حروبها، فليس لنا استقرارٌ في بلادنا ان لم نكن مساهمين في استقرار هذه المنطقة المهمة من العالم.

الشعب الليبي الكريم

أتمنى أن تكون هذه المناسبة التي نحتفل بذكراها اليوم، مناسبة سنوية دائمة ليس للاحتفال  فقط بالاستقلال الذي تحقق منذ اثنان وسبعون عاماً، وانما مناسبة كذلك للاحتفال بالأمل الذي يحذونا جميعاً في أن نرى بلادنا وقد أزالت الركام عن جبينها الناصع ، وأن يغدو كما نتمناه جميعنا في مقدمة الأمم وأفراده من أسعد الشعوب ومستقبله كما يحلم به بناتنا وأبناءنا .

حفظ الله ليبيا وشعبها الكريم.